محمد كرد علي
75
خطط الشام
فضلا عن اللغة الفرنسية التي كان تعلمها إذ ذاك رسميا في الظاهر صوريا في الحقيقة ، على مثل ما كانت اللغة العربية في مدارس الحكومة ، وكان يندر بين من تخرجوا في هذه المدارس من يعاني الصناعات الحرة ، ومعظم من أتموا تعلمهم في مدارس الحكومة العثمانية نشأوا مستعدين للوظائف فقط . وما فتئت مدارس الحكومة بعد خمسين سنة من تأسيسها غير وافية بالغرض من بعض الوجوه . وجعل التعليم بالعربية عقبى خروج الدولة العثمانية من هذا القطر ، وروحها لم تبرح تلك الروح التركية ، لأن معظم المعلمين ممن تعلم بالتركية وتخلق بالأخلاق التركية ، وقد حاولت إدارات المعارف في الديار الشامية نزع الروح القديم وتنشئة المعلمين نشأة عربية ، وليس في الوسع أن يشيب المرء إلا على ما شب عليه ، وفاقد الشيء لا يعطيه ، ولم تهتد مدارس الحكومة حتى اليوم إلى إيجاد مثال من التربية يلتئم مع ماضي الأمة العربية وينفعها في حاضرها ومستقبلها ، وتغذية العقول غذاء كافيا ينفعها في استخراج ثمرات الأرض وكنوزها والتفنن في صنعها ووضعها ، وتجديد برامج التعليم من الزوائد التي يستغنى عنها في باب تربية الفتاة والصبيّ . أما التعليم الديني عند المسلمين فهو أحط تعليم ، أصيبوا بذلك بعد خراب المئات من المدارس الدينية في القطر وأكل أوقافها ، وقد تغافلت الدولة التركية عن إنهاضها ، ولم يتهيأ لها في الدور الحديث من يفكّر حقيقة في إصلاحها ، وإذا درس المشايخ الدروس النظامية ، وتأهلوا للقضاء والفتيا والتعليم أهلية حقيقية ، تنحل بتعليمهم التاريخ والرياضيات والطبيعيات والاجتماعيات مشاكل كثيرة . ومن العجيب أن مدينة كدمشق لا يقل سكانها عن ثلاثمائة ألف نسمة كان فيها في الثلث الأول من القرن العاشر نحو ثلاثمائة مدرسة ومعهد مختلفة الشكل - عدا الكتاتيب الملحقة بالجوامع - تقرأ فيها دروس العلم والأدب والطب والهندسة ، ليس فيها اليوم درس ديني واحد يقرأ بصورة مطردة ، ولذلك بلغت العلوم الشرعية درجة من الضعف تضحك وتبكي ، وبلغت أكثر وظائف الوعظ والتدريس والخطابة والإمامة من السخف ما نسأل اللّه معه السلامة . وقد جبرت حلب هذا النقص فتولى مفتيها بمعاونة ناظر أوقافها كبر هذا الأمر ، فوضع برنامج لتدريس العلوم الآلية والدينية مدة اثنتي عشرة